يُمثل الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين برقوق علامة فارقة ونقطة تحول كبرى في تاريخ مصر والشرق الأدنى الإسلامي، فهو القائد المحنك الذي أسس دولة المماليك البرجية (المماليك الجراكسة)، وأنهى عقوداً طويلة من حكم سلالة المماليك البحرية وأبناء المنصور قلاوون. اشتهر السلطان برقوق بصلابته العسكرية وحنكته السياسية الاستثنائية، حيث قاد البلاد في واحدة من أصعب الفترات التاريخية، ونجح في توحيد الجبهة الداخلية بعد حروب وتمردات طاحنة، وكان السد المنيع الذي أوقف طموحات القائد التتري الدموي «تيمورلنك» وحمى أرض الكنانة والشام من أهوال الاجتياح المغولي الثاني.
تجمع سيرة السلطان برقوق بين المغامرة العسكرية الأسطورية والنهضة العمرانية الخالدة؛ فمن فتى قوقازي بيع في أسواق الرقيق، ترقى برقوق في مراتب الجيش حتى اعتلى عرش السلطنة، ثم خُلع وسُجن في أعتى قلاع الشام، ليعود في هروب درامي مذهل ويسترد عرشه بقوة السلاح، تاركاً وراءه تحفاً معمارية تزين قلب القاهرة التاريخية حتى يومنا هذا، كمسجده ومدرسته الشهيرة في شارع المعز لدين الله الفاطمي.
بطاقة تعريفية: الملك الظاهر سيف الدين برقوق
يقدم الجدول التالي أهم المحطات والبيانات الأساسية في سيرة مؤسس الدولة المملوكية الثانية:
| البند التاريخي | البيانات والتوثيق |
|---|---|
| الاسم والنسب | برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسي العثماني اليلبغاوي |
| اللقب والكنية | الملك الظاهر، أبو سعيد، وسيف الدين |
| الأصل والمنشأ | بلاد الشركس (منطقة القوقاز) |
| سنة الميلاد | نحو سنة 740 هـ / 1339 م تقريباً |
| فترة الحكم الأولى | من 19 رمضان 784 هـ إلى جمادى الأولى 791 هـ (1382 - 1389 م) |
| فترة الحكم الثانية | من صفر 792 هـ إلى شوال 801 هـ (1390 - 1399 م) |
| الدولة المؤسسة | دولة المماليك البرجية (المماليك الجراكسة) |
| أبرز إنجازاته | تأسيس الدولة البرجية، صيانة استقلال مصر والشام، وردع تيمورلنك |
| تاريخ الوفاة ومكانها | 15 شوال 801 هـ (20 يونيو 1399 م) في القاهرة (عن عمر ناهز 60 عاماً) |
| مكان الدفن | خانقاه ومقابر المماليك (قرافة المماليك بصحراء العباسية) |
النشأة والبدايات: من جبال القوقاز إلى قلعة الجبل بالقاهرة
وُلد برقوق في بلاد الشراكسة الواقعة شمال القوقاز، وترعرع بين قبائلها المقاتلة. ووفقاً للمؤرخين ابن تغري بردي والمقريزي، فقد جُلب برقوق إلى مصر في أواخر عهد السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون؛ حيث اشتراه في البداية الأمير فخر الدين إياس الجركسي، ثم اشتراه بعد ذلك الأمير الكبير يلبغا العمري الخاصكي، وهو أقوى أمراء مصر في ذلك الوقت، ولذلك نُسب إليه وعرف بلقب «اليلبغاوي».
تلقى برقوق في «طباق القلعة» بقلعة الجبل تدريباً عسكرياً وفقهياً صارماً شمل فنون الفروسية والمبارزة، والرماية، والتكتيك الحربي، واللغة العربية، والعلوم الشرعية. وسرعان ما برز بين أقرانه بذكائه المتقد، وقوة بنيانه، وهيبته الطبيعية، ما رشحه لتولي مناصب قيادية مبكرة في حرس القلعة والجيش المملوكي.
سر تسميته بـ «برقوق»
اختلف المؤرخون في أصل التسمية، حيث يرى بعض الباحثين أن الاسم ذو أصل شركسي أصيل؛ بينما ذكر المؤرخ المقريزي في «السلوك لمعرفة دول الملوك» أن الاسم أُطلق عليه في مقتبل شبابه بسبب ملامح عينيه الواسعتين وبريقهما الحاد كأنهما ثمرة البرقوق، فأصبح هذا الاسم هو العلم الذي عُرف به وخلد في كتب التاريخ وسجلات السلاطين.
صعوده السياسي وتأسيس دولة المماليك البرجية (784 هـ / 1382 م)
عاشت مصر في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري اضطرابات سياسية واسعة وصراعاً محموماً على النفوذ بين كبار الأمراء بعد مقتل يلبغا العمري وضعف حكام بيت قلاوون الذين كانوا صبية صغاراً لا يملكون من أمر الحكم شيئاً. وسط هذه الأمواج العاتية، لمع نجم برقوق بفضل قدرته على المناورة وإدارة التحالفات العسكرية.
في عام 779 هـ / 1378 م، نال برقوق منصب «أتابك العساكر» (القائد العام للجيوش)، وبات الوصي الفعلي والمدير الحقيقي لشؤون الدولة خلال سلطنة السلطان الصغير «المنصور علي»، ثم من بعده أخيه «الصالح حاجي». وبحلول عام 784 هـ، استقر الرأي لدى قادة الجيش وأهل الرأي على أن بقاء الحكم الصوري يهدد أمن البلاد، فتم عقد مجلس حاشد حضره الخليفة العباسي وقضاة المذاهب الأربعة وكبار الأمراء.
وفي 19 رمضان سنة 784 هـ (الموافق 26 نوفمبر 1382 م)، تقرر خلع الصالح حاجي برضاه وإعلان مبايعة الأمير سيف الدين برقوق سلطاناً لمصر والشام، وتلقب بـ «الملك الظاهر»، تيمناً بالسلطان الظاهر بيبرس البندقداري. وبذلك طُويت صفحة دولة المماليك البحرية التركية، وبدأت رسمياً دولة المماليك البرجية (نسبة إلى سكن هؤلاء المماليك في أبراج قلعة صلاح الدين الأيوبي المطلة على القاهرة)، والتي كان معظم فرسانها وقادتها من الشراكسة.
المحنة الكبرى: السقوط والهروب الأسطوري من سجن الكرك
لم يهنأ السلطان برقوق باستقرار حكمه طويلاً؛ إذ واجه بعد سنوات معدودة تمرداً عسكرياً عاتياً قاده نائبا الشام الأمير «يلبغا الناصري» (نائب حلب) والأمير «منطاش» (نائب ملطية) عام 791 هـ / 1389 م. حشد المتمردون جيوشاً ضخمة وزحفوا نحو القاهرة، وفشلت المفاوضات في حقن الدماء.
أمام خيانة بعض القادة وتراجع القوات المدافعة، فضل برقوق حقن الدماء واستسلم لخصومه حقناً لدم أهل مصر، فتم عزله وإرساله مخفوراً تحت حراسة مشددة ليسجن في قلعة الكرك الحصينة في جنوب الأردن، بينما أُعيد الصالح حاجي إلى عرش السلطنة باسم «المنصور حاجي»، وتولى منطاش والناصري مقاليد البلاد ودخلا في صراع دامي على الغنائم.
خطة الهروب التاريخية واستعادة العرش (792 هـ / 1390 م)
سطر السلطان برقوق في الكرك ملحمة بطولية تُشبه روايات المغامرات الكبرى:
- كسب ود السجان: استطاع برقوق بحسن خلقه وشخصيته القيادية المؤثرة أن يجتذب حاكم قلعة الكرك الأمير حسام الدين بن باكيش وبعض حراس القلعة إلى صفه.
- التحالف مع البدو: تواصل برقوق سراً مع مشايخ القبائل العربية في بادية الشام والأردن (مثل بني عقبة وعشائر الكرك)، الذين تعاطفوا معه وقدموا له الخيول والرجال.
- الخروج المباغت وجمع الجيوش: تمكن برقوق من فك قيوده وخرج ليلاً من أسوار القلعة، ليفاجأ خصومه بظهوره حراً طليقاً يقود كتائب المقاتلين في دمشق وحلب.
- معركة شقحب واستعادة القاهرة: التقى برقوق بجيوش منطاش وحاجي في معارك حاسمة، وأظهر فيها من الشجاعة والثبات ما أربك صفوف أعدائه، حتى انتصر عليهم انتصاراً حاسماً وأسر الصالح حاجي، ودخل القاهرة في موكب نصر مهيب في صفر عام 792 هـ (فبراير 1390 م) ليعتلي عرش السلطنة للمرة الثانية بسند أقوى وتأييد شعبي جارف.
قصة فرمان السلطان برقوق المتداول: إقطاع أراضي ساحل الدلتا.. وهل الوثيقة حقيقية أم لا؟
تحظى سيرة الملك الظاهر برقوق باهتمام واسع ومتجدد، ومؤخراً تداول باحثون ورواد منصات التواصل الاجتماعي وثيقة تاريخية ملفتة ومثيرة للجدل، يُنسب متنها إلى السلطان برقوق نفسه، وتتضمن أمراً بإقطاع وهبة مساحات شاسعة من أراضي الساحل الشمالي المصري لأحد أمراء ذلك العصر.
تُظهر الوثيقة المعروضة أعلاه ما يُعرف بـ «فرمان سلطاني» مؤرخ في الثالث عشر من شهر شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة للهجرة (13 شعبان 788 هـ / الموافق سبتمبر 1386 م) صادر بالقاهرة المحروسة، ويحمل ختماً وتوقيعاً منسوبين للسلطان برقوق، بالإضافة إلى رسم تخطيطي (كروكي) لدلتا النيل.
ما هي قصة هذا الفرمان وماذا كُتب فيه؟
ينص الفرمان على إقرار سلطاني صريح جاء فيه: أن السلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق سلطان المسلمين قد أعطى وأقطع، ووهب للموالي المسلم الأمير مصطفى بن عبد المنان وولده كراوية، قطعة من الأراضي بالجزء الساحلي من بلاد الدلتا ما بين فرعي نهر النيل (رشيد ودمياط)، تمتد من ساحل البحر إلى الداخل بعمق ميلين فأكثر، على أن تكون له ولذريته من بعده، يملكها ويزرعها ويبيعها ويورثها دون منازعة من أحد إلى يوم الدين.
وتحمل الوثيقة في أسفلها توقيعاً باسم الكاتب «العلامة الشهابي أحمد بن عبد الدائم الكتبي»، إلى جانب ختم مستطيل وآخر مستدير يحملان عبارة «الملك الظاهر أبو سعيد برقوق سلطان المسلمين»، إضافة إلى شكل طغراء سلطانية. وتتوارث هذه الوثيقة عائلة «كراوية» الكريمة في مصر، حيث يستند إليها أفراد من العائلة تاريخياً كدلالة على قدم جذورهم وحيازاتهم العريقة لأراضي ساحل الدلتا.
التحقيق الأثري والوثائقي: هل هذه الوثيقة حقيقية أم تقليد لاحق؟
أثارت هذه الوثيقة فضول المؤرخين وخبراء علم الوثائق التاريخية (Diplomatics) والآثار الإسلامية بجامعة القاهرة ودار الوثائق القومية المصرية، وعند فحصها ومطابقتها مع الأصول المتبعة في «ديوان الإنشاء المملوكي» في القرن الثامن الهجري، توصّل المحققون إلى دلائل أثرية وعلمية تكشف حقيقة هذه الوثيقة بوضوح:
- أولاً: لفظ «فرمان سلطاني» مصطلح عثماني لا مملوكي: لم يعرف ديوان الإنشاء في عصر المماليك الجراكسة إطلاق مصطلح «فرمان» على المراسيم السلطانية؛ بل كانت الوثائق الرسمية وإقطاعات الأراضي تُسمى حصراً: «مرسوم شريف»، «توقيع شريف»، «منشور إقطاع»، أو «مثال شريف»، كما وثق ذلك العلامة القلقشندي في موسوعته الشهيرة «صبح الأعشى في صناعة الإنشا». أما كلمة «فرمان» فهي كلمة فارسية الأصل دخلت الإدارة المصرية بعد الغزو العثماني لمصر عام 1517 م.
- ثانياً: وجود الطغراء العثمانية وأسلوب الأختام: يظهر في الركن السفلي الأيسر شكل «طغراء» بالخط الديواني المركب، وهو نمط وتوقيع ابتكره سلاطين آل عثمان ولم يسبق لسلاطين المماليك استخدامه في تواقيعهم؛ إذ كان سلاطين المماليك يعتمدون إما «العلامة الشريفة» بخط الثلث أو يضعون «الرنك المملوكي» (الشعار الدائري الخاص بكل سلطان وأمير)، بخلاف الأختام الحديثة الظاهرة في الوثيقة.
- ثالثاً: رسم الخريطة وسهم الشمال الحديث: تحتوي الوثيقة على رسم كروكي لدلتا مصر يتضمن سهماً يشير إلى الأعلى ومكتوب أمامه «شمال ↑»، مع وضع كلمة «(المتوسط)» بين قوسين لتفسير البحر الكبير، وكلمة «(رشيد ودمياط)» بين قوسين. وفي علم الخرائط الإسلامية الكلاسيكي إبان عهد المماليك (مثل خرائط الإدريسي وابن حوقل)، كان اتجاه الخرائط يُرسم بحيث يكون الجنوب هو الأعلى والشمال هو الأسفل، كما أن استخدام علامات الأسهم الجغرافية والأقواس التوضيحية هو أسلوب طباعي ورسم هندسي حديث ظهر في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
- رابعاً: طريقة تدوين التاريخ والأرقام: كُتب التاريخ في زاوية الوثيقة: «سنة ثمان وثمانين وسبعمائة (788 هـ)»، وإدراج الأرقام الحسابية بين قوسين واختصار كلمة الهجرة بحرف «هـ» هي تقاليد كتابية معاصرة تماماً؛ إذ كانت الدواوين المملوكية تدون التاريخ كتابة بالحروف الهجائية كاملة دون أرقام أو أقواس.
الخلاصة العلمية: يجمع خبراء التاريخ والوثائق على أن هذه الورقة ليست وثيقة أصلية صادرة في عهد السلطان برقوق سنة 788 هـ، وإنما هي وثيقة مستحدثة أو تقليد تحريري أُعد في زمن متأخر (غالباً خلال العصر العثماني المتأخر أو عصر أسرة محمد علي) لتأكيد أو تدوين حيازة تاريخية متوارثة كانت مستقرة شفوياً أو بموجب وثائق قديمة فُقدت، فكُتبت بأسلوب ذلك العصر المتأخر بمزيج من التقاليد العثمانية والعبارات المملوكية.
الصمود التاريخي أمام تيمورلنك وإنقاذ مصر والشام
تزامن عهد السلطان برقوق الثاني مع بروز القائد المغولي التتري العنيف تيمورلنك، الذي دمر إمبراطوريات آسيا الوسطى واجتاح بلاد فارس والعراق مرتكباً مجازر مروعة ومشيّداً أهرامات من جماجم الضحايا. وبعد أن احتل تيمورلنك بغداد سنة 795 هـ، أرسل وفداً يحمل رسائل تهديد ووعيد شديدة اللهجة إلى السلطان برقوق في القاهرة، يطالبه فيها بإعلان الخضوع ودفع الجزية وتسليم بلاد الشام.
أظهر السلطان برقوق شجاعة استثنائية وبُعد نظر استراتيجي ندر نظيره في ذلك الزمان:
- إعدام رسل تيمورلنك: رفض برقوق لغة التهديد رفضاً قاطعاً، وأمر بإعدام رسل تيمورلنك لقطع أي مجال للتردد أو الخوف، ورداً على غدر تيمور بالرسل والمفاوضين في العراق.
- إيواء القادة وحماية اللاجئين: فتحت القاهرة أبوابها لاستقبال الحكام المنكوبين ببطش تيمور، ومن أبرزهم السلطان أحمد جلائر (سلطان بغداد) وقرا يوسف (زعيم قبائل الخراف السوداء التركمانية)، ووفر لهم برقوق الحماية الكاملة وخصص لهم رواتب ومنازل فخمة.
- تشكيل حلف دفاعي إقليمي: أرسل برقوق السفارات إلى السلطان العثماني بايزيد الأول (الصاعقة) وسلاطين المشرق، عاقداً معهم حلفاً إسلامياً مشتركاً لمواجهة الخطر المغولي الداهم.
- قيادة الجيش بنفسه إلى الشام: لم ينتظر برقوق وصول الغزاة، بل جهز جيش مصر الضخم وخرج بنفسه على رأس فرسانه إلى بلاد الشام وعسكر في دمشق وحلب، مبدياً استعداده التام لخوض المعركة الفاصلة.
أدرك تيمورلنك حينها أنه يواجه حاكماً صلباً وجيشاً حديدياً لا يشبه ما واجهه في مدن المشرق الممزقة، فآثر الانسحاب وتراجع بقواته نحو أذربيجان والهند، ولم يجرؤ تيمورلنك على الاقتراب من حدود دولة المماليك طوال حياة السلطان برقوق، ولم يجتح حلب ودمشق إلا بعد وفاة برقوق بسنوات، وتحديداً في عهد ابنه الصغير الناصر فرج.
موقف إنساني فريد: استقبال والده وبره به في القاهرة
في لفتة إنسانية فريدة لم تتكرر في تاريخ الدولة المملوكية بأسرها، كان السلاطين المماليك ينقطعون تماماً عن أسرهم وأوطانهم الأصلية بحكم بيعهم صغاراً وانقطاع صلات القربى؛ إلا أن السلطان برقوق، بعد أن تمكنت دعائم ملكه، أرسل بعثة خاصة إلى بلاد الشركس في القوقاز للبحث عن أسرته.
ونجحت البعثة في العثور على والده الشيخ المسن «أنس» وإخوته، فقدموا إلى القاهرة في موكب حافل عام 783 هـ. خرج برقوق بنفسه لاستقبال والده خارج أسوار المدينة، وترجل السلطان عن فرسه وقبل يد والده واحتضنه باكياً في مشهد أذهل أمراء المماليك وعامة الناس. وأسكن والده في قصر فخم بالقلعة ومنحه لقب «أمير مائة ومقدم ألف» كإكرام شرفي دون أن يثقله بأعباء السياسة، وظل والده مكرماً حتى وافته المنية في القاهرة ودُفن فيها بكل إجلال.
العمارة والآثار: شواهد حضارية خالدة في قلب القاهرة
كان السلطان برقوق محباً للعمارة والعلوم الشرعية وتوقير العلماء والصالحين، وتعد منشآته المعمارية في القاهرة من أروع ما أنتجته الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط:
1. مدرسة وخانقاه السلطان برقوق بشارع المعز لدين الله
تقع هذه التحفة المعمارية في منطقة «بين القصرين» بشارع المعز التاريخي، وقد شُيدت بين عامي (786 - 788 هـ / 1384 - 1386 م) تحت إشراف المهندس المعماري الشهير ابن الطولوني. وتتميز المنشأة بما يلي:
- التصميم الإيواني الرباعي: صُممت المدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الإسلامية الأربعة (الشافعي، الحنفي، المالكي، والحنبلي)، مع تخصيص قاعات لإقامة الصوفية وطلبة العلم (خانقاه).
- الإيوان الشرقي والمحراب: إيوان القبلة يضم محراباً رخامياً فريداً ومطعماً بالصدف، مع سقف خشبي مذهب غاية في الروعة والإتقان الهندسي.
- المئذنة والقبة: ترتفع مئذنة المدرسة برشاقة مملوكية بديعة مكسوة بزخارف حجرية بديعة، وتجاورها القبة الضريحية التي دفنت فيها ابنته فاطمة.
2. مجمع وخانقاه برقوق بصحراء المماليك (قرافة المماليك)
أوصى السلطان برقوق ألا يُدفن في مجمعه الكائن بشارع المعز وسط ضوضاء المدينة وقصور الحكام، بل أوصى بتشييد مدفن له في صحراء المماليك (شرق القاهرة) ليدفن بجوار أضرحة شيوخ الصوفية والصالحين الذين كان يحبهم. وتولى تنفيذ هذه الوصية نجله السلطان الناصر فرج بن برقوق، فبنى مجمعاً إسلامياً هائلاً بقبتين حجريتين ضخمتين تعدان من أقدم وأكبر القباب الحجرية المزخرفة في العمارة المملوكية.
وفاة السلطان برقوق وإرثه التاريخي
بعد مسيرة حافلة استمرت نحو سبعة عشر عاماً في قيادة مصر والشام، اشتد المرض على الملك الظاهر برقوق في القاهرة، ووافته المنية يوم الجمعة 15 شوال سنة 801 هـ (الموافق 20 يونيو 1399 م)، وهو في نحو الستين من عمره. حزن عليه أهل مصر حزناً بالغاً، وشهدت جنازته حشوداً ضخمة خرجت لتوديعه، وخلفه على العرش ابنه «الناصر فرج بن برقوق».
وقد أجمع مؤرخو ذلك العصر، وفي طليعتهم ابن خلدون (الذي التقى ببرقوق في مصر وتولى قضاء المالكية في عهده)، والمقريزي، وابن تغري بردي، على أن السلطان برقوق كان ملكاً شجاعاً، مقداماً في المعارك، حليماً عند القدرة، يحب العلماء والفقراء، حريصاً على إقامة العدل وتخفيف الضرائب عن كاهل الناس، وترك دولة قوية متماسكة استطاعت أن تصمد في وجه الأعاصير لقرن ونصف تاليين.
الأسئلة الشائعة حول الملك الظاهر أبو سعيد برقوق
ما هو سبب تسمية دولة المماليك البرجية بهذا الاسم؟
سُميت بالدولة البرجية لأن معظم مماليكها وجنودها كانوا يسكنون ويتدربون في أبراج قلعة صلاح الدين الأيوبي (قلعة الجبل) بالقاهرة، وكان أغلبهم ينتمون إلى العنصر الشركسي (من بلاد القوقاز)، بخلاف المماليك البحرية الذين كانوا يسكنون جزيرة الروضة على نيل مصر وكان معظمهم من العنصر التركي/القفجاقي.
لماذا لقب السلطان برقوق بالملك الظاهر؟
تلقب بـ «الملك الظاهر» اقتداءً وتيمناً بالسلطان العظيم ركن الدين بيبرس البندقداري (الملك الظاهر بيبرس)، رمز القوة والانتصار على المغول والصليبيين، وهو تقليد كان يتبعه السلاطين لتأكيد شرعيتهم وعزمهم على حماية الأمة.
ما هي أبرز مواقف السلطان برقوق في صد خطر تيمورلنك؟
رفض السلطان برقوق الاستسلام أو دفع الجزية لتيمورلنك، وأعدم رسله رداً على غدر التتار، وشكل تحالفاً عسكرياً مع العثمانيين بقيادة بايزيد الأول وسلطان بغداد أحمد جلائر، وقاد الجيش المصري بنفسه إلى الشام، مما أرهب تيمورلنك وجعله يتراجع عن غزو أراضي المماليك حتى وفاة السلطان برقوق.
أين تقع آثار السلطان برقوق في القاهرة اليوم؟
توجد له آليتان رئيسيتان: الأولى هي مدرسة وخانقاه السلطان برقوق في شارع المعز لدين الله الفاطمي بمنطقة بين القصرين بالجمالية، والثانية هي مجمع وخانقاه السلطان برقوق التي شيدها ابنه فرج في صحراء المماليك (قرافة المماليك بالدراسة).
خلاصة القول
لم يكن الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق مجرد حاكم عابر في سجلات التاريخ، بل كان مؤسساً لعهد جديد نقل فيه ثقل الدولة المملوكية إلى عهد الشراكسة، ورجل دولة من الطراز الأول استطاع بدهائه السياسي وعزيمته الفولاذية أن يحمي مصر وبلاد الشام من التمزق الداخلي ومن الإعصار التيموري الكاسح، تاركاً إرثاً حضارياً ومعمارياً يروي حتى اليوم قصة سلطان فريد بدأ حياته أسيراً وانتهى ملكاً مظفراً يُخلد التاريخ اسمه بحروف من نور.
أنت في موقع ترند اليوم، نحاول بكل جهد مساعدتك في المواضيع التي تبحث عنها، فأنت الآن تريد التعليق برجاء إرفاق كامل تفاصيل ما تريد بإيجاز لسهولة الرد عليك ♥♥